أبي الفرج الأصفهاني

439

الأغاني

الموجدة على العباس ، فقال : بحياتي يا رقيّ ، كم أثابك ؟ قال : وحياتك يا أمير المؤمنين ما أثابني إلا بدينارين . فغضب الرشيد غضبا شديدا ، ونظر في وجه العباس بن محمد ، وقال : سوءة لك ! أية حال قعدت بك عن إثابته ؟ أقلة المال ؟ فو اللَّه لقد موّلتك جهدي ؛ أم انقطاع المادة عنك ؟ فو اللَّه ما انقطعت عنك ، أم أصلك ؟ فهو الأصل لا يدانيه شيء ، أم نفسك ؟ فلا ذنب لي ، بل نفسك فعلت ذلك بك ، حتى فضحت أباك وأجدادك ، وفضحتني ونفسك . فنكس العباس رأسه ولم ينطق . فقال الرشيد : يا غلام ، أعط ربيعة ثلاثين ألف درهم وخلعة ، واحمله على بغلة ، فلما حمل المال بين يديه ، وألبس الخلعة ، قال له الرشيد : بحياتي يا رقيّ لا تذكره في شيء من شعرك تعريضا ولا تصريحا ، وفتر الرشيد عما كان هم به أن يتزوج إليه ، وظهر منه له بعد ذلك جفاء كثير واطَّراح . يعبث بالعباس بن محمد أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم قال : حدثني أحمد بن أبي فنن الشاعر ، قال : حدثني من لا أحصي من الجلساء : أن ربيعة الرقيّ كان لا يزال يعبث بالعباس بن محمد بحضرة الرشيد ، العبث الذي / يبلغ منه ، منذ جرى بينهما في مديحه إياه ما جرى ، من حيث لا يتعلق عليه / فيه بشيء ، فجاء العباس يوما إلى الرشيد ببرنيّة فيها غالية ، فوضعها بين يديه ، ثم قال : هذه يا أمير المؤمنين غالية ، صنعتها لك بيدي ، اختير عنبرها من شحر عمان ، ومسكها من مفاوز التّبّت ، وبانها من قعر تهامة ؛ فالفضائل كلها مجموعة فيها ، والنعت يقصر عنها . فاعترضه ربيعة ، فقال : ما رأيت أعجب منك ، ومن صفتك لهذه الغالية ، عند من إليه كل موصوف يجلب ، وفي سوقه ينفق ، وبه إليه يتقرّب ، وما قدر غاليتك هذه ، أعزك اللَّه ، حتى تبلغ في وصفها ما بلغت ، أأجريت بها إليه نهرا ، أم حملت إليه منها وقرا ! إن تعظيمك هذا عند من تجبى إليه خزائن الأرض وأموالها من كل بلدة ، وتذل لهيبته جبابرة الملوك المطيعة والمخالفة ، وتتحفه بطرف بلدانها ، وبدائع ممالكها ، حتّى كأنك قد فقت به على كل ما عنده ، أو أبدعت له ما لا يعرفه ، أو خصصته بما لم يحوه ملكه ، لا تخلو فيه من ضعف أو قصر همة . أنشدك اللَّه يا أمير المؤمنين ، إلا جعلت حظي من كل جائزة وفائدة توصلها إليّ مدة سنتي هذه الغالية ، حتى أتلقاها بحقها . فقال : ادفعوها إليه ، فدفعت إليه . فأدخل يده فيها ، وأخرج ملئها ، وحل سراويله ، وأدخل يده فطلى بها استه ، وأخذ حفنة أخرى ، وطلى بها ذكره وأنثييه ، وأخرج حفنتين ، فجعلهما تحت إبطيه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، مر غلامي أن يدخل إليّ ، فقال : أدخلوه إليه ، وهو يضحك ، فأدخلوه إليه فدفع إليه البرنية غير مختومة ، وقال : اذهب إلى جاريتي فلانة بهذه البرنية ، وقل لها : طيبي بها حرك واستك وإبطيك ، حتى أجيء الساعة وأنيكك ، فأخذها الغلام ومضى وضحك الرشيد حتى غشي عليه ، وكاد العباس يموت غيظا ، ثم قام فانصرف ، وأمر الرشيد لربيعة بثلاثين ألف درهم [ 1 ] . شعره يطرز على بساط وذكر علي بن الحسين بن عبد الأعلى ، أنه رأى قصيدة لربيعة الرقيّ مكتوبة في دور بساط من بسط السلطان قديم ، وكان مبسوطا في دار العامة بسرّ من رأى ، فنسخها منه ، وهي قوله :

--> [ 1 ] كذا في ف ، مب . وفي سائر الأصول : وأمر الرشيد العباس أن يبعث لربيعة بثلاثين ألف درهم .